وطني يا وجعا في قلبي



نحن لا نختار أوطاننا ، لا أحد منا أختار أن يكون من هذة الأرض ، أو تلك ..

هذه أقدارنا .. وهذه حكمة الله سبحانه وتعالى التي في كثير من الأحيان لا ندركها ..

..يولد كل منا بحب فطري لوطنه ، شبيه بحبه لوالديه ، إلا إن حب الوالدين أسمى وأكبر ..

لكن وجه الشبه الذي أعنيه ، هو ذاك الحب اللا مشروط ، والغير مرتبط بصفات الكمال ، والجمال ، والعطاء ..


الحب اللامشروط هو الحب بدون مقابل ..
؛ فنحن _مثلا_نحب آبائنا سواءا كانوا أقوياء ، أم ضعفاء ، أغنياء ، أم فقراء ..

وفي دواخلنا نشعر أن آبائنا هم الأفضل حتى وإن لم يكونوا كذلك !! …



وكل منا يرى في والدته جمالا خاصا ومختلفا ، ورائحة مميزة عن كل المخلوقات ، بل وطعما مميزا للطعام الذي تطهوه ، لا يستطيع أمهر طباخ مضاهاته ..


وأنا هكذا أحب وطني ، رغم كل المآسي التي نعيشها ، رغم الحروب ، والخطف ، والفوضى ..
رغم الألم الذي لا تحدده مساحة فأرسمها ، أو تشرحها كلمات فأكتبها ..

انا لا أحب في وطني أسماءا بعينها ، ولا رموزا ، ولا شخوصا ، ولا حقبا ، ولا أحزابا ، ولا فئات معينة ..

بل أحب الأرض التي ضم ثراها أجدادي الطاهرين اللذين سمعت عنهم ولم أرهم ، و أحب التراب الذي تخضب بدم الشهداء اللذين حاربوا المستعمر الإيطالي بكل شجاعة ..

أحب في بلادي صوت الأذان ، وإسراع المصلين نحو المساجد ..
أحب في بلادي رائحة الخبز الطازج ، وضحكات الأطفال، وأصواتهم ، وهم يمشون صباحا للمدارس ..

أحب في بلادي شيوخا ركعا ، وشبابا صالحين ، ونساءا طيبات ، تقيات ، لباسهن الحياء ..
أحب في بلادي (الفزعة ) التي يهب بها الناس لبعضهم البعض ، وقت الحاجة بدافع الكرم ، والشهامة ، والبيتية .

أحب في بلادي كل الطيبين ، كل الشرفاء ،كل المثقفين ، والمتعلمين ، وحتى العاميين ، والبسطاء ..

كل من يمشي على الأرض هونا وإذا خاطبه الجاهل رد بسلام ..

نعم ..يوجد في بلدي كل هؤلاء ..
من رجال ، ونساء ..

لكن نشرات الأخبار لا تظهر سوى صور المدافع ..
سوى الخراب ، والفقر ، والقتل ، والدماء ..

تعلمت في حياتي ، أن لا أحكم على بلد لم أزره مما يظهر على شاشات التلفاز ؛ لإن نصف الحقيقة غائب ، ونصفها الآخر مشوه
وبين هذا وذلك قصص لم تكتب بعد ..

ليبيا يعرفها أناسها اللذين عاشوا فيها ،

ويعرفها جيرانها الذين سكنوا فيها مدة طويلة …

تخبرني صديقة لي من بلد عربي كريم ، جائت للعيش هنا ، عندما سائت الأوضاع في بلادهم ، إن ليبيا وطن ثان بالنسبة لها ، وإنها تشعر بألفة كبيرة مع شعبه الطيب ، الكريم ، المتسامح ..

وتقول لي صديقة أخرى عاشت هي أيضا بضع سنوات من عمرها في ليبيا ، أنها لا تستطيع نسيان ليبيا ،والأيام الجميلة التي قضتها فيها ، وأنها تتذكرها بالدعاء إلى الله ؛ ليصلح حالها ، ويحميها ..


نعم …في وطني ثمة مساوئ كثيرة ..
أراها بوضوح ؛ فحبي لوطني ليس أعمى ولا أصم ..

ولكن العيب فينا نحن وليس في الوطن ..
وحتى تلك العيوب الكبيرة ، وذاك العجز الواضح في أبسط متطلبات الحياة ، سيبدو أكبر لو نظرنا إليه من زاوية واحدة ، وتحت عدسة مكبرة ، لا تعترف إلا باللون الأسود..

وقبل أن يسألني أي شخص ..ماذا أعطاك الوطن لتحبيه !!
سأجيب ..
ماذا أعطيته أنا ؟؟
ماذا قدمت له  أنا ؟

يكفي أنه وطني ؛ لأحبه بدون شروط ، لأشعر تجاهه بالإنتماء ، ليؤلمني حاله ، لإتمزق على شتاته ، لأغار على اسمه من أن يذكر بسوء ..

يكفيني أن يكون وطني الذي قضيت فيه طفولتي، وشبابي ….
وطني الذي طلبت فيه العلم في كل مراحل حياتي ، وجلست في فصوله المجانية ، أتلقى العلم بدون مقابل ..
وطني الذي شربت مائه ، وتنفست هوائه ، وتكلمت لهجته ، وعرفت أهله ، وأحببت أرضه ، وسمائه ..

صحيح أنني أتمرد على أشياء كثيرة في بلادي ، وتضايقني فيه أشياء أخرى ، ولا أنكر أنني أختلف مع كثير مما ، ومن حولي في أمور عديدة ، ولكنه يظل خلافا وديا ..

خلاف يمكنني من خلاله اختيار ما يوافقني ، وترك مالا يوافقني دون أي خسائر ..

حتى الأشقاء في بيت واحد لا يتفقون على أشياء بعينها _سبحان الله _ ..

وهذا لا يقلل من انتمائهم لمنزلهم ، ولا لحبهم لبعضهم البعض …

ثمة رابط قوي جدا بين صورة الحب الأبوي الفطري ، أو الحب الأسري بشكل عام ، والذي أحيانا يأخذ قالب التقبل ، أو الحب لمجرد الحب ليس إلا ، وبين حب الوطن ..

وختاما فإنني أحب كل بلاد الإسلام ، العربية منها والأعجمية ..

ولكن ليبيا لها مكان خاص بالقلب ، أنا نفسي أحيانا لا أفهمه …

حتى أنني بقيت حتى هذة الساعة المتأخرة أكتب عنها ^_^ …

ومن الحب ما سهر .
posted from Bloggeroid

2 Comments

  1. أوطاننا مظلومة ..
    ونحن من مارسنا الظلم عليها
    وبدل التذمر المستمر الذي لا ينهض بأي شيء
    تكفينا المبادرات – حتى البسيطة منها ـ
    التي تنذر بأن الخير قائم في هذه الأمة حتى قيام الساعة

Comments are closed.