لا أظن أنني قد أضفت شيئا جديدا أعزائي ؛ فالكهرباء تم إكتشافها منذ حوالي القرن التاسع عشر الميلادي ، أو ربما قبل ذلك ، وبالفعل يعتبر إكتشاف الكهرباء من الاكتشافات المهمة التي غيرت
وجه العالم ..

أخبرني أبي _حفظه الله_ ذات مساء
(مع انه قليل الكلام) ، بإن عقار البنسلين ، و الكهرباء هما من أهم الإكتشافات العلمية التي أكتشفها الإنسان حتى الآن ،
(من وجهة نظره) ..

ولكنني لم أكن أعرف أهمية الكهرباء ، وأثرها في حياتنا ، إلا من بعد الأزمة الشديدة التي مررنا بها ..

★[ربما نحن لا نشعر بقيمة الأشياء ، إلا عندما نفقدها ، أو عندما تصبح صعبة المنال ] ★ …

كنت من قبل أتعامل مع الكهرباء ، على أنها شئ مفروغ منه ، أضغط على مفتاح النور فيضئ المصباح ،أكبس زر غسالة الملابس فتدور بدون نقاش ، أفتح الثلاجة فأجد الماء باردا ، آخد مكعبات الثلج من المجمدة ، وأضيفها للعصير ، أو أضع اللحم ليتجمد لنحافظ عليه من الفساد ، والتلف ، أفتح التلفاز ، أو الكمبيوتر ، أو جهاز التكييف ، أو المدفأة دون تردد ، أو أشحن هاتفي ، أو أي جهاز بالمنزل في أي وقت ، دونما تفكير ، فأنا _كما كل جيلي _وحتى جيل أمي ، وأبي ولدنا ، وكبرنا في بيوت متصلة بها الكهرباء ، فأصبح وجودها عصبا من أعصابها الناقلة للإحساس ، ورئة تتنفس بها الحياة ..
صحيح أنها كانت أحيااااناااا تنقطع لأسباب كالصيانة ، أو تغيرات شديدة في الطقس لا سيما العواصف الرعدية ، والأمطار الغزيرة ، ولكنه إنقطاع لا يدوم سوى وقت قصير ، وعلى فترات متباعدة جدا ، ولا تتأثر به عجلة الحياة التي اعتدنا دورانها بنمط معين ، مريح ، وبسيط ..

ولكن كيف تصبح الحياة بدون كهرباء ؟؟

سألت نفسي من قبل هذا السؤال ، عندما سمعت أن الكهرباء تنقطع لساعات طويلة على قطاع غزة في فلسطين العربية !!

قلت في نفسي أنها ولابد حياة صعبة بدون كهرباء تلك التي يعيشها إخوتنا الإعزاء ، وشعرت بالتعاطف بالتأكيد ، وكيف لا ؟؟ فهم يعيشون مع المستعمر الصهيوني الغاشم ، الذي شهد بظلمه ، وعدوانه العدو قبل الصديق ؟؟

ولكن السمع ليس كالمشاهدة !!

وأي مشاهدة !!
دارت الأيام ..
وحدث ماحدث ..
ولإنني لست من محبي الحوار السياسي ، ولا أجيد أصلا الخوض فيه، ولا أريد أن أتعلمه ، وحتى لا يتحول الموضوع من حوار ثقافي ، أو فلنقل تدوينة متواضعة أشارك فيها بخواطري إلى جدل سياسي ، قبلي ، متعصب ،أحمق ، وملئ بالأحكام المسبقة ، والعنف ، ونصف الفهم ؛ لذلك فإنني_ إلتماسا للسلام النفسي _سأنتقل رأسا للمضاعفات دون الحديث عن المرض …

كان من مضاعفات المرض الذي أصيبت به ليبيا إنقطاع كبير في الكهرباء ، وعجز شديد في الشركة العامة للكهرباء ..
وعلى مر زمن طال أكثر من خمس سنوات عجاف مضت ، سمعنا أسبابا كثيرة أدت لهذا العجز الكبير في الكهرباء ..
فمن نقص بإنتاج النفط ، والغاز ، إلى تقطع ، وتلف بالألياف الناقلة للكهرباء بين المدن ، إلى الإعتصامات من الموظفين ، إلى القطع الممنهج للعقاب ، والتنكيل مما زاد الطين بلة ، وزاد الكره ، والأحقاد بين أبناء الدين الواحد ، والوطن الواحد ، والدم الواحد ، وهلم جرة ….

المهم ..

لازلت لم أجب على السؤال الذي طرحته على نفسي منذ قليل …
كيف هي الحياة بدون كهرباء ؟؟
بصراحة ..وبدون مجاملة ..
حياة صعبة ، ومريرة ، وتشبه السجن مع الأشغال الشاقة ، وخاصة في فصل الصيف عندما تشتد الحرارة لتبلغ الأربعينات ، مع الرطوبة العالية ، أو بدونها …
يصعب على الإنسان حتى أن يتنفس بسهولة ، ناهيك عن كونه يشعر بإنه في مزاج جيد ، وحتى نظرته للحياة وتحليله للأمور تصبح سلبية جدا عندما يشعر بالحر لهذة الدرجة ، ولا يجد أحيانا حتى ماءا باردا يروي به عطشه ؛لإن الثلاجات قد انطفئت منذ ساعات طويلة ، وتبددت برودتها من طول الوقت ، ليس هذا فحسب ، بل المجمد أيضا بعد مرورنصف يوم أو يوم ، بدون كهرباء في الصيف ، يفقد برودته ، ويذوب مافيه من طعام ، ولحوم ، وخضروات ، و حسبنا الله ونعم الوكيل …

مررنا بكل هذة الظروف الإنسانية الصعبة ، وأكثر ، نحن ، وجيراننا ، وأقاربنا وغيرنا ، قبل أن نفيق من مرحلة الإنكار للوضع الغريب ، والذي اعتقدنا أنه سيتحسن ، ولكنه للأسف لم يتحسن ؛ فاضطررنا لشراء مولد كهربائي بسيط يعمل بالوقود والحمد لله ، ثم الشكر لأبي الغالي الذي لم يتحمل أن يرانا في هذا الوضع المزري أكثر من ذلك …
ولكن ماذا عن غيرنا من اللذين لا يطيقون شراء المولد لعجز مادي ؟؟
ماذا عن المرضى الذين تعتبر الكهرباء بالنسبة لهم ليست مجرد تكييف ، وتبريد ، وتلفاز ، وتسلية ، بل مسألة حياة أو موت لإنهم يعيشون على جهاز أكسجين مثلا عافانا الله ، وإياكم ..

ثم أن المولد الكهربائي لا سيما النوع
البسيط ، كالذي عندنا ، يحتاج لوقود بشكل مستمر ؛ ليعمل و الوقود نفسه مررنا بإزمة نقصه ، كما هو الأمر مع أنبوبة غاز المطبخ ، وبنزين السيارات ، وأزمة الدقيق ، والخبز ، وغيرها من الأزمات التي حصرت الحياة داخلها ، ولم تترك أي مجال معها لأي شئ ينافسها ..
ثم إن هذة المولدات الصينية
الصنع ، تتعرض للتلف بين الفينة والأخرى ، فيتضطر أصحابها لتصليحها وتغيير قطعها الرئيسية بتكلفة تكاد أن تضاهي ثمنها وقت الشراء (مع ملاحظة أن أسعار المولدات ترتفع وتزيد مع تفاقم الأزمة ، مع دخول أنواع جديدة ، ومتطورة ، وغالية رغم عدم توفر السيولة المالية في المصارف) !!!

☆_كم هم طيبون تجار الأزمات ، يفكرون فقط في مصلحة المواطن _ !!

★وجع في القلب ..

لم أكن أتمن أن أرى أبي وهو في عمره هذا ،وقد أختلط سواد الشعر ببياضه ، وبعد أن خدم هذة البلد كل هذة السنين ، لم أكن أتمنى أن أراه منكبا على جهاز المولد يحاول إصلاحه ، ويداه قد كساهما سواد الوقود ، وجبينه الغالي يتصبب عرقا !!
لم أكن أحب أن أرى أمي الحبيبة _وهي تعاني من متاعب صحية ، والحر ، والقلق لا يلائم صحتها_ أراها تتعذب صيفا ، وشتاءا ، وتبكي من القهر ، وحياتها تزداد صعوبة بسبب إنقطاع الكهرباء ، ونفسيتها تتأثر من الظلام ..

الكهرباء تنقطع في أي وقت من الليل أو النهار ولساعات طويلة ، والمولد حل بديل ، ولكنه ليس حلا جذريا ..
لماذا ؟؟
لإن المولدات البسيطة ، والتي تعتبر في متناول المواطنين البسطاء من الطبقة الكادحة ( الموظفين ) ، هي مولدات يدوية التشغيل ، والإقفال ، وتصدر دخانا كثيفا يلوث الجو ، و صوتا مزعجا لأصحابها ، وللجيران ، مما يؤدي للإحراج ،مما يضطرنا لتجنب تشغيلها في أوقات معينة لكي لا ينزعج الجيران منها ، كما أن الوقود الذي يشغل المولدات ، ينقطع أحيانا عن السوق الذي تتحكم فيه الأهواء المختلفة ، والله المستعان ….
ولكنه يبقى حلا في الأوقات الصعبة ، ونعمة كبيرة نحمد الله عليها ..

★ الحياة أسهل مع وجود الكهرباء ، وأصعب كثيرا في غيابها ..
تعلمت الكثير من الدروس من إنقطاع الكهرباء ، ولكنني سأكتفي بهذا القدر لهذة التدوينة لإنني تعبت من الكتابة ، والوقت قد تأخر ، كما إنني لا أريد جعل التدوينة طويلة ، ومملة للقارئ الكريم ♥

وحتى ألتقيكم على خير بإذن الله ..♥
أطيب المنى وفي أمان الله …♥

posted from Bloggeroid