مذكرات صيفية برائحة النعناع

البارحة كانت من الليال الصيفية ،الطويلة التي ربما ستبقى في ذاكرتي …

شهر سبتمبر ، أو الشهر التاسع ، كان عكس توقعاتي من حيث الطقس ..

ففي العادة يكون أغسطس هو الأكثر حرارة ، ورطوبة ، ثم يكون سبتمبر أخف وطئة …

لكن هذا الصيف الطقس كان مختلفا بتقدير من رب العالمين ، ووفق حكمته ، وتدبيره لأمره في ملكه ..
والحمد لله رب العالمين ..

البارحة كانت الكهرباء مقطوعة كالعادة ، ورغم الحرارة ، والرطوبة العالية داخل المنزل  فقد كنت متماسكة ، ومتفائلة نسبيا والحمد لله ..
جلست مع أسرتي الحبيبة  في فناء المنزل لعلنا نحظى ببعض الهواء العليل ، وبالفعل الطقس كان لطيفا بالخارج مقارنة بداخل بالمنزل
و كانت ليلة مقمرة ، و منيرة بفضل الله ..

قدت دفة الحوار و تحدثت ، وحكيت ، وضحكت ، وأضحكت أسرتي رغم المعاناة التي نعيشها في هذا المنفى الذي سجننا فيه  داخل الوطن ..

أخبرتهم أنهم هم نور البيت ، و بدونهم لا معنى لوجود الكهرباء من عدمها ..

 لكن النوم كان المهمة الأصعب خاصة وأن بعوضة ( ناموسة) ترائت لي تطير أمامي على ضوء شاشة الموبايل الذي كنت أستعمل ما تبقى من بطاريته ، فهو الشئ الوحيد الذي تبقى لي ؛ لأتواصل مع العالم الخارجي من خلاله عوضا عن هذة العزلة القهرية التي نعيشها ..
ولكن ماذا عن البعوضة ، هي وحدها بلسعاتها الحارة كفيلة بإبعاد النوم البعيد أصلا عن جفوني ….
حسنا …
 …تذكرت شيئا قد يبعدها عني !!

وفي حركة خاطفة قفزت أبحث عن زيت النعناع بين حاجياتي في الظلام معتمدة فقط على حاسة اللمس التي أصبحت بفضل الله أقوى بعد هذة الظروف القاسية ..

وجدتها ..
دهنت بها معصمي وكاحلي ، وتركت الزجاجة الصغيرة مفتوحة عمدا جنب سريري ، لينتشر عطرها المنعش حولي ، ويبعد  لسعات البعوضة المؤلمة  عني …

وبالفعل إبتعدت عني البعوضة ولم تؤذيني والحمد لله ..

يحضرني هنا مقولة لسيدنا علي إبن أبي طالب رضي الله عنه
يقول فيها : ابن آدم تؤرقه بقة (حشرة ) ، وتنته عرقة
 ( تتغير رائحته بالعرق) ، وتقتله شرقة …

★☆★☆★☆★☆★☆★☆

أستطيع القول أنني هنا عايشت الكثير ، وتعلمت الكثير ، ويوما ما ربما سأقول لنفسي أنني استنفذت كل الفرص ..

عايشت  معاناة فترة الحصار والحظر الجوي والذي ابتدأ وأنا طفلة صغيرة  بالإبتدائية ، واستمر حتى فترة دراستي الجامعية …
عشت أحداث 2011 وما أتى بعدها من نكبات متوالية ، إنقطاع الكهرباء ، وإنعدام الأمن ، وغلاء الأسعار وأرتفاعها لثلاث أضعافها بدون أي مبالغة ، ونقص الغاز وجميع المحروقات ، وأزمة الخبز ، وأزمة نقص الدواء ، و دخول داعش
و حرق ، وتدمير المطار ، وفرض التأشيرات من قبل معظم الدول علينا ، وقفل معظم السفارات وغير ذلك الكثير، الكثير من الأزمات …

هنا في هذا المنفى مررت بالكثير ..
وتعلمت الكثير …

تعلمت أن الوطن قد يتحول لمنفى ، وأنك قد تكون غريبا ، وأنت في الوطن …

18_9_2016

posted from Bloggeroid