الفرج بعد الشدة ( صفحة من مذكراتي )

كانت الساعة تشير نحو السابعة و النصف مساءا تقريبا ، في إحدى ليالي رمضان المبارك .

تلقيت مكالمة هاتفية عبر الواتس أب من زوجي العزيز يخبرني فيها أن أتوجه إلى مكان ما لنلتقي لتناول طعام الإفطار ..

جهزت نفسي ، و تفقدت أغراضي و غادرت نحو وجهتي ، و في الطريق قررت ركوب تكتك بدل المشي نحو عشر دقائق في هذا الجو الحار الرطب ، و رغم أنني غالبا ما أمشي تلك المسافة ، إلا أنني تلك الليلة ركبت التكتك

و لمن لا يعرف التكتك ، فهو و سيلة نقل موجودة في بعض الدول الآسيوية ، و تمتاز بسرعتها ، و قدرتها على اختصار الوقت لإن حجمها صغير نسبيا مقارنة بالسيارات ، لذلك فهي تخترق الزحام و تدخل في الطرق الضيقة ، و الممرات الملتوية ، و توفر الوقت ، إلا أن التعامل مع سائقيها يحتاج خبرة ، و حنكة ؛ إذ أنهم يطلبون من السواح مبالغ كبيرة من أجل مشاوير قصيرة جدا ؛ لذلك يجب أن لا تستسلم لأول ثلاث أسعار يعرضها عليك سائق التكتك  ، بل و تجاهله متظاهرا أنك  أعرضت عنه تماما حتى يرضى بالسعر الذي تحدده له ، و هو غالبا أقل بأضعاف ما طلبه في البداية ..

المهم ركبت التكتك ، بالسعر المناسب لي  و لمشواري ، و بالمناسبة ذلك التكتك تحديدا ركبته عدة مرات لذلك فالسائق يتذكرني تماما و يعرف أنني لست من السواح اللذين يستغلهم كل يوم بأسعاره الخيالية ، فالفترة التي أمضيتها في تايلاند كفيلة بأن تجعلني محصنة ضد ألعابيهم
..
جلست في الكرسي الملون ، و انطلق السائق بي بتلك السرعة المكوكية ، أو التكتويكية  ، و لإن المشوار قصير ، و لإنني دقيقة أكثر من اللازم ، و أحب أن أكون جاهزة دائما قررت  أن أخرج المبلغ الذي اتفقنا عليه قبل أن أصل إلى وجهتي ، و ما أن فتحت حقيبتي ، و أخرجت النقود ، حتى طارت مني ورقة نقدية ذات خمسين بات ، و طارت في مهب الريح ..

التفتت خلفي ، أودعها بنظراتي  ، و قلبي يعتصره الألم ، ثم بسرعة ، و لهفة طلبت  منه أن يتوقف لألتقط نقودي ، فلم يفهم من كلامي إلا جملة خمسين بات ، و ظن أنني قررت أن أجزل له العطاء اليوم ، و أن هذا هو المبلغ الذي سأدفعه مقابل المشوار ، فصار  يهز رأسه فرحا و يقول أوكي أوكي😂😂😂 !!!!!!
و بائت محاولاتي بالفشل أن أشرح له أنني أوقعت نقودي ..

ثم سلمت أمري لله .

و صرت أقول في نفسي ماذا لو كانت الورقة التي طارت من فئة الخمسمائة ، أو من فئة الألف ؟؟

كيف سيكون شعوري عندها ؟؟

و ماذا لو كانت هذه الورقة التي طارت هي كل ما معي ، و هي ما كنت سأدفعه للتكتك ، كيف سيكون موقفي ؟؟

و ماذا ، و ماذا إلى غيرها من الأفكار .

ثم لعلني  حمدت الله في سري ، أو هكذا ينبغي أن أفعل في السراء و  الضراء ، فضياع  المال و إن كان قليلا لا يسر أحدا ،  ليس بخلا  ، و لا حرصا ، و لكن لإن المال قل أو كثر ، هو نعمة من نعم الله سبحانه ، و تعالى ، و ليس من شئ هنا ، و لا في أي مكان في العالم بالمجان .

و بينما أنا في هذه الأفكار تأخذني و تردني ، و إذ بدراجة نارية يركبها شاب أسمر  تقترب بهدوء
من التكتك الذي أستقله ، و إذا به يناولني نقودي التي سقطت مني دونما أن ينطق بحرف واحد .

انتابتني دهشة كبيرة ، و عقدت المفاجأة لساني ، فلم أعرف هل آخذها و أشكره ، أم أتركها له مقابل حرصه ، و أمانته ، أم ماذا ؟؟

و لكنني دونما تفكير ، أخذتها و شكرته ، و هو بدوره ابتعد مسرعا نحو  وجهته ..

الفرج بعد الشدة ..

هذا ما شعرت به ..

ليس فقط فرحا برجوع مالي ، و لكن فرحا برجوع شيء أعتقد أنه ضاع إلى الأبد فإذا به في يدي من جديد ..
هو شعور جميل جدا ، لإنه يأتي دون أن نتوقعه ، أو ننتظره ، يأتي بعد يأس ، و شدة ، حتى و إن كانت شدة صغيرة ، أو كربة عابرة ..

و لكن طعم الفرج بعدها مختلف ، و دائما ما يكون كذلك .
من عاش شعور الفرج بعد الشدة ، يعلم تماما عمّا أتحدث .

عن نفسي مررت بمواقف كثيرة تجسد فيها اليسر مع العسر ، و الفرج بعد الشدة من فضل الله تعالى .

و هذه كانت صورة مصغرة عنها  ، و صفحة صغيرة من كتاب حياتي  ، في يوم مبارك من أيام شهر رمضان الكريم ، في رحلة الحياة .

و الحمد لله أن الدنيا مازلت بخير ، و أن الأمانة مازلت موجودة ، و أن الناس لازلت تساعد بعضها البعض دون مصلحة ، أو مقابل ، و أن حب المال لم يطغ  على كل القلوب ، و لم يشوه كل القيم ، و الأخلاق .

 و الحمد لله أنني عشت هذه المشاعر الجميلة التي ملأت روحي بالسعادة 💕، و التفاؤل💕 ، و شحنتني بالكثير من الطاقة الإيجابية 💕لأتحمل متاعب الحياة ، و قسوة الغربة  💔.

27/ مايو / 2019
22/رمضان
وحتى نلتقي بإذن الله تعالى ..
أطيب المنى ..
و في أمان الله ..