رائحة الأشياء (خاطرة قصيرة) 


منذ عدة  أشهر كان من طقوسي الشبه  اليومية ” تناول صحن صغير من  الشوربة  الدافئة ليلا قبل النوم  ، مع مشاهدة مسلسلي المفضل ( مرايا ) للرائع الأستاذ ياسر العظمة ، و كنت أجد في هذه العادة اللطيفة ، الكثير من الراحة ، و السعادة البسيطة ، الغير متكلفة .


الشوربة بالنسبة لي (مهما كان نوعها ) هي من أطعمة الشعور بالراحة ، فهي  تمدني بدفيء داخلي عجيب ، و تشعرني بالإسترخاء ، بل و تساعدني على النوم بعمق .

ثم انقطعت عن هذه العادة الجميلة فترة طويلة دون سبب واضح  .

و منذ عدة أيام أشتريت كمية من الذرة الصفراء المسلوقة ، و تفاجئت أن زوجي أيضا قد  اشترى كمية أخرى من الذرة في نفس اليوم  دون تنسيق من كلينا ، فأصبحت لدينا كمية من الذرة تفوق إحتياجنا .
وضعتها في وعاء بلاستيكي محكم الإغلاق ، في الثلاجة ، و صرت أفكر في الطريقة المثالية لتناولها قبل أن يتغير طعمها  .

فتذكرت تلك الشوربة اللذيذة ، نعم ستكون الذرة الصفراء إضافة قيّمة لها بكل تأكيد .


 ،و بالفعل ذهبنا لمحل قريب  و اشتريناها من جديد بعد طول انقطاع _هي شوربة سريعة التحضير بالمناسبة _  .


الغريب في الأمر أنني بمجرد أن جهزتها ، و ما أن تصاعدت رائحتها لأنفي ؛ حتى تذكرت كل شئ يتعلق بطقوسها السابقة ، و الفترة التي كنت أتناولها فيها بكل تفاصيلها ، بل و اشتقت لمسلسل المرايا ، و حلقاته الممتعة ، و المسلية ، و كأن ركنا في الذاكرة قد رسم كل شئ بوضوح في مكان مخفي ، ينتظر رائحة الأشياء ليستيقظ من سباته .
  

هكذا هي رائحة الأشياء ..
عطر ما يذكرنا بشخص ، أو مكان نحبه .
بخور مميز ، رائحة القهوة ، طبخ البيت ، رائحة الحلويات البيتية ،  معطر الجو ، و أحيانا حتى رائحة صابون ، أو شامبو معين ، و غيرها الكثير .

رائحة الأشياء تحملنا عبر عالم أثيري ، شبيه  بعالم داليس ، تعيد بنا عقارب الساعة للوراء ، في حين كنا نعتقد أن هذا غير ممكن .
تسافر بنا نحو ذكريات بعيدة ، أو قريبة .
تحلق بنا فوق أجنحة الماضي ، و تعيدنا أحيانا على أرجوحة الطفولة ، نتأرجح بخفة دونما هموم  .


ثم نعود إلى حيث كنا و في الذاكرة رائحة الأشياء .